قصص نجاح من التميّز

قليلٌ منَ العطاءِ قد يحولُ النارَ إلى جنةٍ

في سجنِ إعاقتِها كانتْ تنامُ على أرضٍ باردةٍ , والفئرانُ  تقضُمُ ثيابَها فتتألمُ , ولكنَّها لا تستطيعُ أنْ تعبِّرَ فتصرُخَ في اللّيلِ ممّا يدفعُ مَن حولَها لاضطهادِها وضَربِها ....خاصَّةً وأنَّ الجميعَ كانُوا يعانُونَ مِنَ الضِّيقِ والتَّوترِ منَ الغرفةِ السَّيئةِ , التي نزَلوا فيها فقدْ كانَ البردُ يُلازِمُهمْ , والفِئرانُ تقْتاتُ على ثيابِهم , وربَّما جلستْ معَهم على تلكَ الفرشةِ الرَّقيقةِ التي لا تردُّ بردَ الأرضِ ولا قساوتَها .هذهِ الصُّورةُ استطاعتْ أنْ تنقلَها المتطوعةُ التي زارتهمْ إلى الأخصائيّ الاجتماعيّ في التّميزِ, فقامتْ المشرفةُ المسؤولةُ بتقديمِ المَشورةِ لتعامُلِ الأخِ معَ أختِه , كما قامتْ بتأمينِ المساعداتِ العَينيّةِ لتحسينِ وضعِ الأسرةِ .... وفي زيارةٍ ثانيةٍ للأمِّ قالتْ : ( يالله شوعملتو معي ...نقلتوني من الجحيم إلى الجنة , هي أوّل مرّة بتنام بنتي باللّيل بدون ما تصرخ لأنّها نايمة على الصّوفاية ومرتاحة وأوّل مرّة بشوف وجهها أحمر من الدّفا .) ويقولُ الابنُ مبتسماً : (صرت حبّ أختي أكتر ...وصرت أقدر خبّي أغراضي بالخزانة بدون ما خاف أنو تاكلهم الفيران ).

تعافَت بنتي وقرة عيني

 تحتَ وطأةِ الجوعِ , كانتِ الأُمُّ تُحاوِلُ أنْ تؤمِّنَ الغذاءَ لأولادِها الجائعينَ , ونسيَتِ الصَّغيرةَ التي لا تملكُ مِنْ أمرِها إلّا البكاءَ , فكانتْ تُسكِتُها بكسرةِ خبزٍ , لأنَّها صغيرةٌ . 
الآن وبدأتْ هذهِ الصَّغيرةُ تتعبُ , وتناقصَ غذاؤُها , ولمْ تشعرِ الأمُّ إلّا وابنتُها جالسةٌ دونَ حِراكٍ على الأرضِ وحرارتُها مرتفعةٌ جداً , ارتبكتِ الأمُّ , ولمْ تجدْ مَنْ يُعينها , واستمرَّ الوضعُ في التَّدهورِ مدةَ ثلاثةَ عشرَ يوماً إلى أنْ حضرَ فريقُ التَّميزِ الطِّبيّ التَّطوعي إلى المركزِ , فحملتِ ابنتَها إليه , وهناكَ تمَّتْ مُعالجةُ الطّفلةِ , وتقديمُ الغذاءِ المناسبِ لها ... وبعدَ المتابعةِ تحسنَتْ حالتُها الصِّحيّةُ , واستعادتْ عافيتَها وقدرَتَها على المشي , وتوجهتِ الأمُّ شاكرةً :
( تعافت بنتي وقرة عيني ...الله فضلها علينا بوجودكم معنا ).

انا صرت بطل

كانتِ الأمُّ تعدُّ خطواتِها وهيَ تصعدُ درجَ التّميزِ لتصلَ إلى قسمِ الدَّعمِ النفسيِّ لمقابلةِ مديرِ الحالةِ , وتقبِضُ يدَ ابنِها الذي يمشي معها , وتراقبُ خوفَه مِنْ كُلِّ صوتٍ أو نداءٍ يمرُّ بجانبِه , وكانتْ تتحدثُ معَ نفسِها بائسةً : "كم أتمنى أنْ أراكَ يا ولدي تمشي دونَ خوفٍ ... كم أتمنى أنْ أراكَ تلعبُ مثلَ بقيّةِ الأطفالِ بِالكُرةِ والبوالينِ دونَ أنْ تصرخَ" : (ماما أنا بخاف من البالون ما بحبه هلق بيطق ) .... وعندما وصلتْ الأمُّ إلى مديرِ الحالةِ كانَ اليأسُ يعتريها فلا أملَ مِن ولِدها   -هذا ما كانتْ تظُّنه في بدايةِ الأمرِ- لكن بعدَ أنْ تلقَّت بعضَ النّصائحِ حولَ أسبابِ الخوفِ وأساليبِ التَّخلصِ منهُ , وبعدَ عدَّةِ جلساتٍ معَ ولدِها تمَّ خلالَها معالجةُ هذهِ المشكلةِ لديه بشكلٍّ تدريجيّ - وقد عبرّتِ الأمُّ عن سعادتِها في تخلصِ ابنها من مشكلةِ الخوفِ :  " أنا ما كان عندي أمل أنو يتحسن ابني ويتخلص من الخوف " ويقولُ الابنُ فرحاً : ( ماما أنا بطل وما في شي بخوفني ).

لن أتركَها تتألم

تحت الرُّكامِ هناكَ كانَ صوتُ البكاءِ يدفعُ قلبَ الأمِّ ؛ لترفعَ الرَّكامَ والحجارةَ بأصابِعِها ؛ بحثاً عنِ ابنتها ذاتِ الأربعةِ أشهرِ وتقولُ : "هاد طرف الحرام اللي كنت لاففتها فيه , بنتي هون عم أسمع صوتها " وتوافَدَ فريقُ الإنقاذِ ؛ ليستجيبَ لصياحِها , ويرفعَ الرَّكامَ للالتقاطِ تلكَ الصّغيرةِ الباكيةِ ... حملتِ الأمُّ ابنتَها , ودموعَها تتدافعُ مابينَ الألمِ والفرحِ وضمتْها إليها ,هدأتِ الطِّفلةُ قليلاً , ثمَّ عاودتِ البكاءَ بشدةٍ , وبقيتْ على هذا الحالِ مدّةً طويلةً , كلَّما حاولَ أحدٌ أنْ يحركَها ؛ تصرخُ , وتبكي , وكأنَّ شيئاً يؤلِمُها , لكنْ لمْ يعرفْ أحدٌ سببَ هذا الألمِ ,إلى أنْ حضرَ المعالجُ الفيزيائيُّ معَ الفريقِ الطّبيّ إلى مركزِ الإقامةِ المؤقتةِ الذي تقيمُ فيه الطِّفلةُ معَ أهلِها , وشرحتْ لهُ الأمُّ ما تعانيهِ معَ ابنتِها منْ ألمٍ لا تعرفُ سبَبَه , فاقتربَ منَ الطِّفلةِ , وتعرَّفَ بأماكنِ الألمِ الذي تعانيهِ , وأجرى لها تمارينَ معينةً ؛ أعادتْ لها الحركةَ دونَ ألمِ   شكرتِ الأمُّ فريقَ التَّميِّزِ والمعالجِ عندما حملتِ ابنتَها للمرّةِ الأولى دونَ أنْ تبكي , ولسانُ حالِها يقولُ : "اليوم بقدر ضمها بقلبي بدون ما خاف عليها من الوجع . شكراً إلكم من كل قلبي"

أنا مالي مشلول أنا موجوع

كان أهله يحاولونَ مداراتِه كأنَّهُ إنسانٌ معاقٌ , فيعلو صياحُه وهو مستلقٍ على ظهرِه في مراكزِ الإقامةِ المؤقتةِ : " أنا كنتُ أحمل على كتفي حجار وإذا مِلت على الحيط بهدُه بس هلق ماحدا يقلي احمل كاسة مي إيدي مابتحمل " ولمْ يستطعْ أحدٌ محاولةَ الإطلاعِ على آلامِه من شدَّةِ صياحِه في كلَّ مرةٍ ,فتركَه مَن حولَه على حالِه تجنباً لإزعاجهِ , لكنَّ الفريقَ الطِّبيّ للتَّميّزِ استطاعَ من خلالِ زياراتِه , وجلساتِه معهُ إقناعَهُ بأنَّ يدهُ لا تحتاجُ لعملٍ جراحيٍ , وإنَّما هوَ بحاجةِ جلساتِ معالجةٍ فيزيائيّةٍ , وفعلاً قامَ المعالجُ الفيزيائيُ بإجراءِ جلساتٍ لهُ , وتمَّ شفاؤُه بشكلٍ تامٍّ وكمْ كانتْ مفاجأتُهُ كبيرةٌ عندما طلبَ منهُ المعالجُ قائلاً : "بتقدر تحمل شو مابدك ارفع بيدون المي هلق " تعجّبَ من طلبِهِ ورفضَ في بادئِ الأمرِ ثمَّ أكَّدَ عليهِ الطلبَ فرفعَهُ دونَ شعورٍ بالألمِ قائلاً : "رجعتلي إيدي متل ما كانت  , الله يبارك فيك ويبارك بجهودكم"


الهروبُ لا يحلُّ المشكلةَ

الغدرُ أشبهُ بالسَّيلِ الجارفِ , يجرُفُ معَهُ كلَّ شعورٍ بالثِّقةِ بالآخرينَ , وقد يجرُفُ ثقةَ المرءِ بذاتِه .. وهذا ما حصلَ معَ فتاةٍ شابةٍ تاهتْ في متاهةِ الأحلامِ الكاذبةِ المَعْسولةِ , الّتي يَعدُها الشَّابُ لكلِّ فتاةٍ عابرةٍ في حياتِه , مُتلاعِباً بمشاعِرِها الصَّادقةِ , فيوهمُها أنَّها الوحيدةُ في حياتِه , ثمَّ تتفاجأُ بزواجِه منْ فتاةٍ أخرى , لأنَّهُ لنْ يتزوجَ بمنْ تحدثَ إليها ... فما كانَ مِنْ أمرِ تلكَ الفتاةِ الشَّابة إلا أنْ تتفاجأَ بقرارِهِ الغادرِ,الذي أدخلَها في دوامةِ اكتئابٍ , وقلقٍ جعلَها تخفيهِ منْ خلالِ نتفِ شعرِها لدرجةٍ جعلتْ في رأسِها بقعاً فارغةً ..هذا الأمرُ دفعَها إلى شراءِ وصْلاتِ شعرٍ لتغطيةِ هذه البُقَعِ , أو البقاءِ بغطاءِ الرَّأسِ ضِمْنَ المنزلِ عندَ وجودِ الزائرينَ ... وصارتْ ترفُضُ استقبالَ المتَقدمينَ لها بالزَّواج لشدَّةِ ما تعرضَتْ لهُ مِنْ تأزُّمٍ لغدرِ هذا الشَّابِ ..حاولَتْ هذهِ الشَّابةُ تجاوزَ الأزمَةِ بتركِ مكانِ العملِ الذي جمعَها بذلكَ الشَّابِ وتغيّره , والهروبِ من مقابلةِ النَّاسِ , والاختلاطِ معهَم ، فوجدتْ لها دواماً ليلاً في معملٍ , فصارتْ تعملُ مِنَ السَّاعةِ الخامسةِ مساءً حتى الخامسةِ صباحاً, ثمَّ تعودُ إلى المنزلِ , وتنامُ ...أمضَتْ فترةً منْ حياتِها تصارِعُ شبحَ الغَدرِ الّذي سيطرَ على حياتِها , وبدأتْ تفقِدُ جمالَ الرَّبيعِ في حياتِها ...وبعدَ تفكيرٍ في هذا الذي وصلَتْ إليهِ , قرَّرَتْ أنْ تساعدَ نفسَها في الخُروجِ منْ هذهِ الحالةِ , إلّا أنَّها لمْ تستطعْ بمفردِهَا , فمشاعرُ الخيبةِ كانتْ تسيطرُ على تفكيرِها , فحاولتْ إيجادَ المُعينِ لها ليساعدَها فلجأتْ إلى الدَّعمِ النّفسي في التَّميزِ,كانتْ مترددةً في البدايةِ , لكِنَّ خوفَها من فقدانِ معاني الحياةِ في حياتِها جعلها  تحكي قصَتها وكلَّ معاناتِها وتطلبَ المساعدةَ .. وفعلا تمَّ الاتفاقُ على جلساتٍ علاجيةٍ , تمَّ مِنْ خلالِها إعادةُ الهيكلةِ المعرفيةِ لهذهِ الشَّابةِ , إضافةً إلى متابعةٍ طبيّةٍ عندَ طبيبِ جلديّةٍ , أخيراً عادتْ لها الثَّقةُ والرِّضا عن نفسِها وباتتْ تملِكُ الإرادةَ لاستقبالِ المتقدمينَ لخطبتِها , وكانتْ تقولُ : (كنت حاول التّخلص من مشكلتي بالهروب منها لكن هاد الحل كان عم يخليني أغرق فيها أكتر,علموني بالتَّميّز أنّي كون شجاعة بمواجهة مشكلاتي وأنّي أسعى لحلها مع الأشخاص المناسبين للمساعدة ... وأنا هلأ أحسن بكتير ورضيانه عن نفسي).

بابا ميّت

(بابا ميّت) ؛ عبارةٌ يستخدمُها طفلٌ كسلاحٍ يحصلُ بهِ على ما يريدُ , حتى وصلَ الأمرُ بهِ أنْ يستوقفَ المارّةَ ويقولَ لهم :(عطيني مصاري بابا ميّت ), وعندما ترفضُ أمُّه تسجيلَه في النّادي القريبِ من بيتِها يذهبُ إلى صاحبِ النّادي ويقول له : ( سجّلني عندك بابا ميّت ), باتَ عبءُ هذا الطّفلِ ثقيلاً على والدتِه التي كانت تسوءُها تصرفاتُه , إضافةً إلى هروبِه من المدرسةِ وضربِه لأخوتِه , إضافةً إلى هوايتِه في إشعالِ الحرائقِ , كانتْ أمُّه تحتارُ أتبكي منهُ أمْ تبكي عليهِ , إنَّه يعبّرُ عن استيائِه لفقدِ أبيهِ بعنفٍ غيرِ مقبولٍ , ولنْ يرى ما وراءَ عنفِهِ هذا سوى قلبُ أمِّه , أمّا الآخرونَ فسينبذونَه ويشمئزّونَ منهُ ؛ هذا ما قالتْهُ والدتُه للمشرفةِ في التّميّزِ فنصحتْها بالتّوجهِ لقسمِ الدّعمِ النّفسيّ , والذي قامَ بدورِهِ بإعطاءِ برنامجٍ تحفيزيّ للطّفلِ ,  وقامَ بتثقيفِ الأمِّ على طريقةِ التعاملِ معَه , وفعلاً آتى الأمرُ فائدتَه فقدْ صارَ يعبّرُ عن مكنوناتِه بلطفٍ , وتوقفَ عن إشعالِ الحرائقِ , وتطورَ في مدرستِه بشكلٍ واضحٍ وملحوظٍ , وفارقَ كلمةَ :( بابا ميّت )  واستبدَلَها بعبارةِ :(بدي أرفع رأس أبي ولو كان ميّت).

 

أمي ....لم تكرهينني ؟!

- فقدْتُ أبي ...ثمَّ تركتُ مدرستي , بلْ أُجبرتُ على تركِها من أجلِ القيامِ بأعباءِ المنزلِ ، ورعايةِ إخوتي الصِّغارِ وتدريسِهم كنْتُ أشاهدُ أحلامي تتبدّدُ أمامي وأنا أتعرّضُ للتّعنيفِ والضّربِ من قِبلِ والدتي وأخي الكبيرِ عند أيِّ تقصيرٍ, وكأنّني أنا المسؤولةُ عن كلِّ مصيبةٍ تقعُ في المنزلِ

يقالُ الأمُّ إنْ ضربَتْ فإنَّها لا تُوجعُ لشدِّةِ حنانِها , لكنّني كنتُ أتألّمُ بشدّةٍ لأنّها كانتْ تكرهُني - هكذا كانتْ تقولُ لي دائماً-     لماذا يا أمّي تكرهينَنَي , مراتٍ كثيرةٍ كنتُ أحلُمُ أنّني في حُضنِها لكنْ فجأةً أسمعُها تقولُ أكرهكِ , فأستيقظُ مذعورةً باكيةً , وتحوّل عندي شعورُ الثِّقةِ بالنّفسِ إلى انعدامِ ثقةٍ , بلْ ورافَقَه شعورٌ آخرُ,أنّني لا أستحقُّ الاحترامَ , لكنَّ هذهِ المشاعر كانتْ تزولُ فقطْ عندما كنتُ اذهبُ إلى التّميّزِ,  فقرّرتُ أنْ أخبرَ الأخصائيّةَ الاجتماعيّةَ , وأتحدثَ إليها عن ظروفي ووضعي ؛ لأجدَ حلاً تُحبني أمّي فيهِ , وكم كانتْ فرحتي كبيرةً عندما تحدثتْ الأخصائيّةُ إلى أمّي , وحاورتْها وأقنعَتْها بوجوبِ متابعتي للتّعليم , فالتحقتُ بدورةِ رأبِ الفجوةِ المقامةِ في القسمِ التّعليمي في التّميزِ, وتمَّ استدعائي مع والدتي لقسمِ الدّعمِ النّفسي , وفعلاً أعادَ ليَ التَّميّزُ حياتي فقد تجاوزْتُ دورةَ رأبِ الفجوةِ بنجاحٍ , وساعدني بالالتحاق بمعهدٍ لأتقدّمَ للشّهادةِ الإعداديّة , وفي منزلي توقفَ أخي ووالدتي عن ضربي وتعنيفي , حتى صِحتي بدأتْ بالتّحسنِ بعد أنْ قدّمِ لي مستوصفُ التّميزِ الدّواءَ المناسبَ ؛ لِما أُعانيهِ من فقرِ دمٍ شديدٍ ؛ كلُّ هذا كانَ بدايةُ حياةٍ جديدةٍ بالنّسبةِ لي لكنْ توّجَ هذهِ البدايةَ صوتُ أمّي وهيَ تناديني : (ابنتي بدي أعرف منك شو اللي بخليك حزينة ) ثمَّ حضَنتني ؛ لأشعرَ   بذاكَ الدِّفءِ الذي افتقدْتُهُ منذُ وفاةِ والدي .     شكراً لك أيُّها التّميّزُ لقدْ جعلتَ أمّي تحبُّني.  

مرضهُ لا يعني نهايةَ العالمِ

لكنَّني لمْ أيأسْ , كنتُ معَ والدهِ نتعاونُ على تربيتهِ , وتأمينِ احتياجاتهِ , لكنْ ما لمْ يكنْ في الحسبانِ فقدانُ سندي وسندهُ , فقدْ تُوفّي زوجي , وتركني وإيّاهُ معَ إخوتِه الثلاثةِ بلا معيلٍ- حاولَ اليأسُ أنْ يتسربَ إلى نفسي , وكنتُ أدفعُه منْ أجلِ أولادي , وتراكمتِ المصائبُ عليَّ , وخرجتُ من منزلي مع أولادي , وحاولتُ أنْ أجدَ منْ يعينُني على مواجهةِ الحياةِ    , فقمتُ بالتَّسجيل في التَّميّز , لمْ أكنْ أهملُ ولدي رغمَ صعوبةِ ظروفي خاصّةً أنَّهُ أصبحَ في عمرٍ مناسبٍ لدخولِ المدرسةِ , حاولتُ تسجيلَهُ في المدارسِ المجاورةِ إلّا أنّهم رفضوا بسببِ مرضهِ , لمْ أيأسْ فتَّشتُ عن مدارسَ أخرى وأيضاً قابلوني بالرَّفضِ , تحدثتُ معَ الأخصائيّةِ الاجتماعيّةِ في التَّميّزِ, وشرحتُ لها وضعي وحالةَ ابني ورغبتي في تعليمِهِ , وتطويرِهِ خاصّةً وأنَّ حالتَهُ تراجعتْ , وبِتُّ أجدُ صعوبةً كبيرةً في التَّعاملِ معهُ , ودمجهِ معَ الآخرين . قامتِ الأخصائيّةُ بتحويلهِ إلى الدّعمِ النَّفسي , والّذي قامَ بإلحاقِ ابني بمدرسةٍ للاحتياجاتِ الخاصّةِ , وبعد دخولِهِ المدرسةَ صرتُ أرى في عينيه حياةً جديدةً . صارَ أكثرَ هُدوءاً , وتفاعلاً معَ منْ حولَه , وتغيَّرتْ علاقَتُهُ معَ إخوتِهِ تغيّراً جذريّاً , وأصبحَ أكثرَ انطلاقاً معَ الآخرينَ . لقدْ أزالَ شعوري برؤيتِه يكبُرُ أمامي كلَّ شعورٍ آخرَ من الحزنِ واليأسِ  أشكرُ التَّميّزَ لأنَّهُ أتاحَ لابني فرصةً ليحصلَ على حقهِ بالتَّعلمِ كأيِّ طفلٍ آخرَ.

كابوسي صارَ حُلماً وردياً

طفلٌ عاشَ معَ كابوسٍ كان يراودُه طوالَ ستةِ أعوامٍ , منذُ كانَ في السَّابعةِ منْ عمرُه يسلبُه النَّومَ , ويقلقُه وقْد تسربَ هذا الكابوسُ إلى واقعهِ بطريقةٍ غيرِ عاديةٍ ؛ ليشكّلَ شبحاً بشعاً يطاردُهُ في الظّلامِ , حتى أنّهُ باتَ يخافُ من التَّجوالِ في منزلِهِ ليلاً يقولُ : (أنا على طول خايف وبحس أنو في حدا عم يلاحقني , وقصص الجن بتخوفني , وما بتخليني نام لحالي بالغرفة , واذا فقت باللّيل , وبدي فوت على الحمام بخاف قوم , وببقى فايق ليطلع الصّبح ) أنصتَتْ مسؤولةُ الدّعمِ النَّفسيّ في التّميّزِ إلى أحادثيهِ , وقامتْ بمعالجةِ مخاوفِهِ بإبدالِ مشاعرِ الخوفِ بمشاعرِ الطّمأنينةِ , والسّعادةِ كما تمَّ إلحاقُه بجلساتٍ مركزةٍ لمشكلاتِ اليافعينَ : ( من تدعيمِ نقاطِ القوةِ – الثّقةُ بالنّفسِ – مهاراتُ التّواصلِ – حلُّ المشكلاتِ ) , وبذلك تحولتْ مخاوفُهُ إلى أمانٍ , وكابوسُه المظلمُ انقلبَ معَ التَّميِّزِ إلى أحلامٍ ورديةٍ.

سأفارقُ مخاوفي

(أمِّي أرجوكِ حاجه تضربيني) : أمنيةٌ كانتْ تطالبُ بها تلك الصَّبية البالغةُ منَ العمرِ ثمانيةَ عشرَ عاماً , وما تزالُ تعاني من التبوِّل اللّيلي , ومن كلماتِ أهلِها القاسيةِ (غبية , ريحتك بشعة ,أنت سبب الإزعاج بالعيلة ), فأرغمتْها والدتُها على لبسِ الحفاضات قبلَ النَّومِ , وأجبرتْها على العملِ لتأمينِ ثمنِ الحفاضات  , فقدِمَت إلى التَّميِّزِ بمفردِها ؛ لتجدَ حلاً لُمشكلتِها ولمْ ترغبْ أنْ يعلمَ أحدٌ بقدومِها , وحفاظاً على السّريّةِ والخصوصيّةِ وَعدتْها مشرفةُ الحالةِ بذلكَ .- كانَ اللّقاءُ في بدايتِه هادئاً , صامتاً , مليئاً بمشاعرِ الخوفِ و القلقِ , ثم انفجرتِ الصَّبيةُ بالبكاءِ , وتحدثتْ  بطريقة ٍعشوائيّةٍ عنْ مكنوناتِها , وعبَّرتْ عنْ مشاعِرِها دونَ تردّدٍ ودونَ توقّفٍ , ثمَّ هدأتْ , وجعلتْ مشرفةُ الحالةِ تناقِشُها ,وتحاورُها , وتدعمُها , وتعددَتِ الجلساتُ , واتبعَتْ برنامجاً علاجيّاً طبيّاً دوائيّاً ؛ فشُفيَتْ تماماً , وفي إحدى لقاءاتِها قالتْ : "كانت إحدى الأسبابِ التي دفعتْني لتركِ الدراسةِ هيَ مُشكلتي , وأنا الآنَ قادرةٌ على العودةِ إلى حياتي ’ وممارسةِ ما يناسبُني كشابَّةٍ دونَ مرافقةِ الخوفِ لي , ودون التَّأثُّرِ بكلماتِ من حولِي , فلا أحدَ يشعُرُ بما أنتَ تعيشَه سوى أنتَ"

طفلتي..لن أبيعكِ كما باعوني

توفي والدُها وهي طفلةٌ صغيرةٌ , وعانتْ بالإضافةِ إلى اليتمِ من قسوةِ زوجِ الأمِّ , وظلمِهِ , فأرادتْ التّخلصَ من واقِعِها كلِّهِ , فتركَتْ كلَّ شيءٍ حتى الدّراسةَ , وقبلتْ بالزَّواجِ وهيَ في عمرِ أربعَ عشرةَ سنةٍ من ابنِ عمِها الذي ظنَتْ أنَّهُ سيُسعدُها , لكنَّهُ استمرَّ بمتابعةِ مسيرةِ الظّلمِ الّذي انتهى بطلاقِها , وعادَتْ إلى أمّها , فقامَ زوجُ الأمِّ ببيعها باسمِ الزّواجِ من رجلٍ يكبرُها بخمسةٍ وعشرينَ عاماً , ولديهِ أسرةٌ في بلدٍ بعيدٍ أقامَتْ عندهُ فترةً من الزّمانِ , ثمَّ أعادَها إلى بلادِها ابنةَ سبعةَ عشرِعاماً مطلّقةً , ومسؤولةً عن طفلةٍ , وعادتْ للإقامةِ في منِزلِ أمّها تحتَ ظلمِ زوجِ الأمِّ. - تقدّمتْ إلى الجمعيّةِ , وهيَ في حالةٍ منَ اليأسِ , ونظرةٍ سوداويّةٍ لكلِّ شيءٍ , فقامَ قسمُ الدَّعمِ النَّفسي بتوعيةِ الفتاةِ ,وتحويلِها إلى القسمِ التَّعليميّ ؛ لتعودَ إلى الدِّراسةِ , كما تمَّ تقديمُ المساعدةِ الماليّةِ ؛ لمساعدتِها في التَّسجيلِ بمعهدٍ ؛ لتقديمِ شهادةِ الثَّالثِ الإعداديّ حرّةً , كما قدّمَ لها القسمُ القانونيُّ الاستشارةَ القانونيّةَ فيما يتعلّقُ بحقِّ حضانةِ الطِّفلةِ وإجراءاتِ الطَّلاقِ. تقولُ الأمُّ هربْتُ من واقعي , فخسرتُ نفسي وحطمّتُ طُفولتي , وإنَّني سأمضي معكم لأنَّني أريد أن أكونَ قدوةً لطفلتي ؛ لتكملَ دراستِها وتكبرَ واثقةً قويّةً.

لن أستسلم

(يا حرام عندها بنت جدبة) : كلماتٌ سمعْتُها منَ النَّاسِ حولي عن ابنتي , فاضطررتُ لوضعِها في المنزلِ ؛ ممّا تسببَ لها بنوعٍ منَ العُزلةِ . كنتُ عندما أراها كلَّ يومٍ ينفطِرُ قلبِي حزناً عليها , لماذا لا يوجدُ من يساعدُني , الكلُّ تخلَّى عنِّي , حتى قرأتُ في يومٍ إعلاناتِ التَّميُّزِ , ودوراتَه المهنيّة , قمتُ بتقديمِ طلبٍ لتسجيلِ ابنتي في دورةِ الصِّوفِ , وفي داخلي خوف ماذا سيكون الردُّ , مؤكدٌ سيرفِضُونها كما رفضَها الجميعُ , لكنَّني لن أيأسَ , سأتابعُ تسجيلَها , وكانتِ المفاجأةُ الكبرى , بأنْ تمَّ قبولُ ابنتي لحضورِ الدّورةِ , وكمْ غمرتْنِي الفرحةُ عندما استطاعتِ المدربةُ باهتمامِها , وعنايتِها إخراجَ ابنتي من عزلِتها , وساهمتْ مبادرةُ زميلاتِها بتقديمِ المساعدةِ لها بإدخالِ الفرحةِ على قلبِها فصارتْ تنتظرُ اليومَ التّالي بفارغِ الصَّبرِ, كما صارَ لها عملٌ مفيدٌ تملأُ وقتَها بهِ ,غيرَ أنَّ ثقتَها بنفسِها تعززتْ أكثرَ وبدتْ أكثرَ فخرٍ بما استطاعَتْ صنعَهُ . أشكرُ التَّميُّز منْ كلِّ قلبي على كلِّ ابتسامةٍ زرعَها في قلبي وفي قلبِ ابنتي.